مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )

142

رجالات التقريب

مرّ التاريخ تدخلت مصالح الحكم لإثارة النزاعات الطائفية . كثير من الحكام اضطهدوا السنّة باسم التشيّع ، وأكثر منهم من اضطهد الشيعة باسم الدفاع عن أهل السنّة ، والواقع أن مصالح الحكم هي التي أملت عليهم هذه المواقف . وهذه حقيقة يجب أن يفهمها أهل السنة والشيعة كي لا تستفزهم المواقف السياسية وتدفعهم لاتخاذ مواقف عدائية من هذا المذهب أو ذاك . والسيد الحكيم إذ اكتوى بنار الطائفية التي أججها حكام العراق ، يتخذ موقفاً صارماً في التفريق بين الموقف السياسي والموقف الشعبي من هذه المسألة . يقول رحمه الله : « العراق كما هو واضح له تاريخه الخاص وتركيبته الاجتماعية والثقافية الخاصة ، وهو بهذه الخصوصية يعتبر من البلاد الفريدة في العالم الاسلامي ، وأخذاً بنظر الاعتبار هذه الخصائص فإن نموذج التقريب لو نجح في العراق فسيكون له تأثير كبير على كل العالم الاسلامي . هذا البلد نسب التقسيم المذهبي فيه تكاد تكون متقاربة ، كما أنه ينطوي على التعددية القومية إضافة إلى التعددية المذهبية ، أضف إلى ما سبق تاريخ العراق بما له من عراقة وما كانت له من مركزية في العالم الاسلامي ، حيث كانت بغداد عاصمة المسلمين السياسية ، كما كانت الكوفة والبصرة عاصمتي المسلمين الفكرية ، ومدرسة الكوفة بشكل خاص وتطورها إلى مدرسة النجف لها أهميتها الفائقة في تاريخ هذا البلد ، ووجود مراقد أئمة آل البيت في العراق . . كل ذلك وقضايا أخرى تعطي لأرض الرافدين أهمية خاصة . ومن هنا كان العراق مستهدفاً أكثر من غيره في التآمر الاستعماري والهجوم الاستكباري . وعملية التفريق والتمزيق في العراق أريد منها تصوير حالة التمزق في جميع الأمة . والإنجليز كرسوا اهتمامهم في العراق بعد هيمنتهم عليه لايجاد التفرقة المذهبية والطائفية بين أبناء الشعب العراقي ، تماما كما فعلوا في شبه القارة الهندية ، حيث أسفرت خططهم بين المذاهب والطوائف ، بل حتى بين أبناء الطائفة الواحدة في شبه القارة الهندية إلى تمزّق فظيع . ولا تزال هذه الحالة قائمة حتى الآن ، ويسقط جرّاؤها بين آونة وأخرى القتلى والضحايا باستمرار . نفس الشيء حاولوا تطبيقه في العراق . لكن علماء الاسلام في العراق ، وخاصة علماء النجف وقفوا ضد هذا المخطط وأفشلوه على المستوى الشعبي . ويمكن القول الآن أن العلاقات بين فصائل الأمة في العراق علاقات مودّة وأخوّة ، حتى لم يعد الانسان يشعر بوجود اختلافات طائفية بين أبناء الشعب . الشيعة يتزوجون من بنات أهل السنة . بل إن بعض العشائر العراقية تجد أبناء عشيرة واحدة نصفها من أهل السنة ونصفها آخر ينتمي إلى مذهب أهل البيت . والمدن فيها اختلاط بين أبناء المذاهب . وكثير من المؤسسات الثقافية والمشاريع التجارية يشترك فيها أهل السنة وأهل الشيعة . وهكذا في مختلف المجالات نجد هذا الاشتراك موجوداً ، وهذا التداخل قائماً . ولا يكاد الانسان يشعر بوجود اختلاف .